
السماء لم تتوقف عن إلقاء حمولتها من ثلج آذار منذ الصباح . بدت سونيا مختنقة و أرادت أن تقاسمني بعض شجنها . شعرت لبرهة بأن سخونتها تناوش بياض الثلج على ذرى الجبال . تكلمت و انكسار طفيف يشرخ نبراتها عن الجرحى الوافدين من غزة إلى عمان ، و الذين اعتنت بهم في رحلتها التطوعية الأخيرة. أخذت تسرد علي حالة أحدهم ، فعاد بي الزمن إلى ذلك الدهليز الرمادي الطويل الذي احتوى ( قاسما ) في إحدى غرفه ، و ابتلعنا في مسالكه أمدا طويلا.
كان من بغداد ، شهق أنفاسه من رئتيها ، و زفر أوجاعها من شغاف قلبه ؛ من حي لا أذكر اسمه ، ما أذكره أنه شاب رقيق ، له إطلالة هادئة ، و لهجة عراقية محببة ، و ابتسامة مريحة يباغت بها الفريق الطبي من فرجة الباب ككوكب صغير يومض على عجل . مكث في سريره الذي يقع في مقدمة الغرفة الكبيرة - و إلى اليسار منها- ثلاثة أشهر غير مكتملة ، و كنت أناديه بالشاب البغدادي .
أبصرته أول مرة في قسم الطوارئ و قد تجمع الأطباء حوله كمتاريس رملية تحجب الفضاء . كانت أكياس الدم تدفع إلى أوردته دفعا في سباق مضن مع خطافة الموت . و حين تأرجحت روحه على شفير الهاوية ، صرخ الطبيب المقيم، إلى العمليات فورا ، و لم ينشب في حبائل ذهني سوى رجع صوته و هو يلهج ، يا فاطمة.
صادفته في قسم الجراحة بعد فترة ، تراءى لي شبحه الأول و تردد أنينه المحسور في أذني ، و قد بدا مستقرا . قيل لي إنه تخرج من كلية الهندسة حديثا و أتى إلى عمان طلبا للرزق . تم توظيفه كعامل في مصنع للصلب ؛ و في يوم مشئوم ، انحشر ساعده الأيمن بين مسنات الآلة و هو يحاول إصلاحها ، و علق لساعات طويلة. نزف حتى كاد أن يلفظ أنفاسه بين براثن الوحش الآلي ، و حين وصل إلى المشفى، كانت أنسجته ميتة فقاموا ببتر جزء كبير منها.
أشعر بأني عديمة الفائدة .
تعيدني صديقتي إلى قصتها وقد تهدج حسها، شعرها المعقوص يكشف رقبتها العاجية الطويلة و مزيج تقاسيمها الرومانية العربية الآسرة . تبث تنهيدتها الحارة ، و يتساقط الثلج من فروع الأشجار المقابلة لساحة مسكننا ، فينبعث صوته الشجي من ركن قصي في ذاكرتي ، و هو يقف عند النافذة ، يفترش مع الليل عباءة حزنه، و يجمع أطرافها مع شقشقة عصافير النهار، يخاطب طيفا غامضا خلف تلة منبسطة، و يناجي نفسه بأغنية كاظم الساهر:
ما بي شي يحترق أنا رماد الآن
لا جمرة بي بقت ولا خيط من دخان
رصدته مرارا و هو يفعل ذلك ،و كنت أرجئ تنظيف جرحه حتى يطلق حرقته إلى الأفق الأشهب ، و يترك لريشة الله أن تظلل ملامح أحبته فوق الغمام ، و لملائكة الليل أن تنوء بأرزائه نحو معراج السماء البعيدة .
قال مرة و هو يتحاشى النظر إلى ذراعه ، إنه يشعر بأصابعه تتحرك تحت الضمادة مع أنه يعرف أنها قطعت ، و هذا ما يعذبه. أقسم بأنه يحس كأن شيئا لم يحدث، بل يخيل إليه أحيانا أنها ستنمو كجذوع النخل تحت قمع الشاش البغيض. آنذاك، لم أستطع أن أشرح له أن النهايات العصبية لا تزال موجودة ، لم أشأ إخباره بأنه صراخ المستغيث على جسد ميت ، و أن ما يحسه عاطفة دماغية صادقة ، تراوغ حقيقة الفقد و تشعل فتيلها القديم، و أن هذا الفقد الدماغي قد يؤرقه لسنوات طويلة .
لم أندم على عدم إخباره ؛ ستبدو الحقائق فارغة و فجة أمام جناح الأمل المهيض ، و سأجعل منها خيبات تكتنز بالشاش الأبيض !
تضيف سونيا ، يقتلني الذنب.
ذنب تشعر به سونيا منذ فقدت والدها في حرب لبنان و غادرت مع أمها إلى رومانيا ، و لم تحظ بوداع رفاته.
أهز رأسي موافقة ، و أرى الأطفال ينحدرون على سفح الأكمة البيضاء كبطاريق ملونة. تخشخش أجراس الهواء فتحدث صلصلة تشبه صليل مفاتيح أم عمران الآذنة و هي تمسح بلاط الطابق و تدور بسطلها الأخضر المتسخ في حجرات الممر.
مرت بمحاذاته يوما فأهداها بسمته الطيبة . سألته ، من (وين) يا بني ؟ ، فأجابها ، بغداد ، ضربت بيدها على صدرها المترهل و ردت ، قبرت أهلي !
صارت بعد لقائها به تنظف الأرض جهة سريره كل يوم ، و تتباطأ عند مدخل غرفته ، تتحين الفرصة لتحكي له عن عذابات الهجرة في سنة ١٩٤٨ حين لجأت إلى مخيم جنين في الضفة الغربية و من ثم إلى مخيم الوحدات في عمان سنة النكسة . أخبرته عن القدر الذي أرسلها عروسا إلى الكويت في الستينيات ثم أخرجها منها أرملة عاثرة في أول التسعينيات.
كانت تدعك البلاط جيدا عندما نقترب منها في المرور الصباحي، ثم تتسلل إليه و تستفيض في هذيانها عن نهري دجلة و الفرات عندما عبرت برا من بغداد إلى عمان ؛ وقفت على ضفة النهر و تنشقت رائحة جنين . كيف لا ، و قد قضت طفولتها و هي ترى مقبرة شهداء الجيش العراقي٭ حيثما تحركت في أقضية البلدة .
كنا نطلب منها أن تغادر الغرفة ، و بعد أن تتضرع إلى الله بأن يقطع دابر بوش و اليهود و غيرهم، ، يضحك قاسم من قلبه، و تجمع هي أشياءها ثم تربت على ساعده المبتور ، تشد عليه بقبضة امرأة ستينية ، تطرح عليه ثمار حكمتها و تؤكد، أزمة و ( بتمر ) .
تغيب أم عمران في البهو ، يتمايل السطل الأخضر مع عرجتها ، و يبقى صوته معلقا بذيل خرقتها و به بحة مفجوعة، يا ( يما) ، أنتظرك
ترعش رفيقتي ، تقول و هي تطوق بعض الرسوم و الأشعار من جرحى غزة بيديها ، آلامهم مكنونة ، يكتبونها ، لكن لا يتفوهون بها أمامنا ..لماذا ؟
و كأنها تحيا قصتها من جديد مع أجساد أخرى ، كنت أعرف أنها مكثت سنتين لا تتكلم بعد الحرب و قضت في مصحة للأطفال ستة أشهر حتى استعادت صوتها ؛ و كأن سونيا تحاول تطهير روحها من أسمال عالقة.
وقتها
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ